أحمد بن محمد المقري التلمساني

175

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

قلت : ولمّا تذاكرت مع مولاي العمّ الإمام - صبّ اللّه تعالى على مضجعه من الرحمة الغمام - هذا المعنى الذي ساقه مولاي الجدّ رحمه اللّه تعالى أنشدني لبعضهم : [ الكامل ] احفظ لسانك لا تبح بثلاثة * سنّ ومال ما استطعت ومذهب فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثة * بمكفّر وبحاسد ومكذّب « 1 » قال الوانشريسي « 2 » في حقّ الجدّ ما نصّه : القاضي الشهير الإمام العالم أبو عبد اللّه محمد بن محمد المقري ، التلمساني المولد والمنشأ ، الفاسي المسكن ، كان رحمه اللّه تعالى عالما عاملا ظريفا نبيها ذكيّا نبيلا فهما متيقّظا جزلا محصّلا ؛ انتهى . وقد وقفت له بالمغرب على مؤلّف عرّف فيه بمولاي الجد ، وذكر جملة من أحواله ، وذلك أنه طلبه بعض أهل عصره في تأليف أخبار الجدّ ، فألّف فيه ما ذكر . وقال في « الإحاطة » في ترجمة مولاي الجدّ بعد ذكره أوليته ما صورته : - حال « 3 » هذا الرجل مشار إليه بالعدوة الغربية اجتهادا ودؤوبا وحفظا وعناية واطلاعا ونقلا ونزاهة ؛ سليم الصدر ، قريب الغور ، صادق القول ، مسلوب التصنّع ، كثير الهشّة ، مفرط الخفّة ، طاهر السذاجة ، ذاهب أقصى مذاهب التخلّق ، محافظ على العمل ، مثابر على الانقطاع ، حريص على العبادة ، مضايق في العقد والتوجّه ، يكابد من تحصيل النيّة بالوجه واليدين مشقّة ، ثم يغافص « 4 » الوقت فيها ويوقعها دفعة متبعا إياها زعقة التكبير برجفة ينبو عنها سمع من لم تؤنسه بها العادة ، بما هو دليل على حسن المعاملة ، وإرسال السجيّة ، قديم النعمة ، متّصل الخيريّة ، مكبّ على النظر والدرس والقراءة ، معلوم الصّيانة والعدالة ، منصف في المذاكرة ، حاسر للذراع عند المباحثة ، راحب عن الصدر في وطيس المناقشة ، غير مختار للقرن ، ولا ضانّ بالفائدة « 5 » ، كثير الالتفات ، متقلّب الحدقة ، جهير بالحجّة ، بعيد عن المراء والمباهتة ، قائل بفضل أولي الفضل من الطلبة ، يقوم أتمّ القيام على العربية والفقه والتفسير ، ويحفظ الحديث ، ويتهجّر بحفظ التاريخ والأخبار والآداب ، ويشارك مشاركة فاضلة في الأصلين والجدل

--> ( 1 ) في هذا البيت لف ونشر مشوش ؛ فالكذب يرجع إلى السن ، والحاسد يرجع إلى المال ، والكفر يرجع إلى الذهب . ( 2 ) في ب « الونشريسي » . ( 3 ) في ب « حاله - هذا الرجل » . ( 4 ) يغافص الوقت : يفاجئه . ( 5 ) ضانّ : اسم فاعل من ضنّ ، أي بخل .